العالم

أوروبا تتنافس على السيطرة: قمة ساماركاند تحدد مصير مستقبل آسيا الوسطى

القاهرة: هاني كمال الدين

في الفترة من 3 إلى 4 أبريل، تحتضن مدينة ساماركاند في أوزبكستان قمة تاريخية بين الاتحاد الأوروبي ودول آسيا الوسطى، بمشاركة رؤساء خمس دول من المنطقة، بالإضافة إلى القادة الأوروبيين البارزين مثل رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوسا، ورئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين. القمة، التي تأتي في وقت حساس على الصعيد الجيوسياسي، تهدف إلى تعزيز التعاون بين الاتحاد الأوروبي ودول المنطقة في مجالات حيوية مثل الطاقة واللوجستيات، وسط التحولات الكبرى في السياسة الدولية.

التحضير للحدث

بدأت الاستعدادات لهذه القمة منذ فترة طويلة، حيث قام مفوض الاتحاد الأوروبي للمشاركة الدولية، جوزيف سيكيلا، بزيارة لجميع دول آسيا الوسطى في مارس الماضي. في زيارته، وقع عدة اتفاقيات مع الحكومات المركزية للمنطقة. على سبيل المثال، تم توقيع اتفاقية لتوسيع التعاون بين الاتحاد الأوروبي وكازاخستان، وكذلك في أوزبكستان حيث تم التوقيع على اتفاقية لتطوير البنية التحتية للإنترنت عبر الأقمار الصناعية.

وفي وقت لاحق، قامت كايا كالاس، رئيسة السياسة الخارجية الأوروبية، بزيارة المنطقة في نهاية مارس، حيث ناقشت مع القادة المحليين التحديات الجيوسياسية والتهديدات التي تواجه النظام الدولي متعدد الأطراف.

الاهتمام المتزايد بمنطقة آسيا الوسطى

لقد أثار اهتمام الاتحاد الأوروبي في آسيا الوسطى موجات من التغيرات الجيوسياسية في السنوات الأخيرة. فعلى الرغم من أن الغرب بدأ يعيد النظر في المنطقة في وقت مبكر من عام 2001 بعد أحداث 11 سبتمبر، إلا أن هذا الاهتمام عاد للظهور مجددًا بعد اندلاع الصراع الروسي-الأوكراني في عام 2022. في هذا السياق، أصبح من الواضح أن المنطقة تعتبر حيوية بالنسبة للاتحاد الأوروبي في ظل التوترات المستمرة بين الشرق والغرب.

منذ أكتوبر 2022، بدأ الاتحاد الأوروبي في اتخاذ خطوات ملموسة لزيادة التعاون مع دول آسيا الوسطى. على سبيل المثال، استضافت عاصمة كازاخستان، أستانا، اجتماعا مع القادة الأوروبيين، حيث تم التأكيد على ضرورة تعميق التعاون في مختلف المجالات، بما في ذلك التجارة والطاقة والأمن.

تطلعات الاتحاد الأوروبي من قمة ساماركاند

يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز علاقاته مع دول آسيا الوسطى من خلال مشاريع لوجستية حيوية، على رأسها “الممر الأوسط”، الذي سيربط أوروبا بالصين ودول جنوب شرق آسيا عبر النقل البحري والسكك الحديدية. هذه المبادرة تهدف إلى تعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية مع دول مثل كازاخستان وأوزبكستان وقرغيزستان، حيث خصص الاتحاد الأوروبي مبلغًا كبيرًا من الاستثمارات في هذا المجال.

من جهة أخرى، يعتبر الاتحاد الأوروبي أن المنطقة تمثل فرصة استراتيجية في ما يتعلق بالموارد الطبيعية، حيث يمتلك بعض دول آسيا الوسطى مثل تركمانستان كميات ضخمة من الغاز الطبيعي، وهو ما يجعلها شريكًا مثاليًا بالنسبة للاتحاد الأوروبي الذي يسعى لتنويع مصادر الطاقة الخاصة به بعيدًا عن الاعتماد على روسيا.

التحديات والتوجهات المستقبلية

إلى جانب مصالحه الاقتصادية، يواصل الاتحاد الأوروبي الضغط على دول آسيا الوسطى لتطبيق العقوبات ضد روسيا، وهي قضية شائكة نظرًا للعلاقات التاريخية التي تربط بعض دول المنطقة مع موسكو. ومع ذلك، فإن دول آسيا الوسطى تسعى للحفاظ على التوازن بين علاقاتها مع الغرب وروسيا، مما يعقد أي خطوة تجاه التعاون الأعمق مع الاتحاد الأوروبي.

وفي هذا الصدد، يتوقع الخبراء السياسيون أن يتضمن جدول أعمال القمة توقيع العديد من الاتفاقيات التي تركز على البنية التحتية، بالإضافة إلى تطوير مشاريع “الخضراء” والابتكارات التكنولوجية. ورغم أن بعض المتابعين يرون أن هذه المبادرات قد تعزز مكانة الاتحاد الأوروبي في المنطقة، إلا أنهم يشككون في حدوث اختراقات استراتيجية ملموسة بسبب التحديات السياسية والاقتصادية الكبيرة التي تواجهها دول آسيا الوسطى.

الموقف الروسي

يشير المتابعون إلى أن روسيا قد تشعر بالقلق من هذه التطورات، حيث تعتبر آسيا الوسطى جزءًا أساسيًا من مصالحها الجيوسياسية. ورغم التحديات التي تواجه موسكو في ظل الحرب في أوكرانيا، فإن القادة في دول آسيا الوسطى يدركون جيدًا أهمية الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتهم مع الغرب وروسيا.

يتوقع الخبراء أن تستمر الدول في المنطقة في تعزيز سياساتها الاستراتيجية المتنوعة، بما يضمن لها التفاعل مع القوى العالمية الكبرى دون الانحياز الكامل لأي طرف.

في النهاية، تمثل قمة ساماركاند منعطفًا مهمًا في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وآسيا الوسطى، حيث ستظل هذه المنطقة محط أنظار القوى الدولية، التي تتسابق لتعزيز نفوذها وتأمين مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من العربي للعدل والمساواة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading