اقتصاد

ترامب يعلن الحرب التجارية: رسوم جمركية جديدة تضرب الشركاء وتستثني روسيا

القاهرة: هاني كمال الدين

في خطوة أثارت جدلًا واسعًا على الساحة الدولية، أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم الأربعاء 3 أبريل 2025، عن فرض رسوم جمركية جديدة على الواردات من معظم دول العالم، في إطار سياسة تهدف إلى تعزيز الاقتصاد الأمريكي وتحقيق ما أسماه ترامب “يوم التحرر الاقتصادي”. ومع ذلك، فإن القرار اللافت الذي برز في هذا السياق هو استثناء روسيا من هذه القائمة، وهو ما أثار تساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراء هذا الاستثناء، خاصة في ظل العلاقات المتوترة بين واشنطن وموسكو.

خلفية القرار الأمريكي

جاء هذا الإعلان كجزء من استراتيجية ترامب الاقتصادية التي وعد بها خلال حملته الانتخابية تحت شعار “جعل أمريكا عظيمة مجددًا”. وبدأت الإدارة الأمريكية في تنفيذ هذه السياسة منذ فبراير الماضي، حيث فرضت رسومًا بنسبة 25% على الواردات من كندا والمكسيك، ثم تبعتها في مارس بفرض رسوم إضافية على الصين بنسبة 20% بعد أن كانت 10% في البداية. ولم تتوقف الإجراءات عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل السلع المستوردة من دول أخرى مثل السيارات والصلب والألمنيوم، لتصل ذروتها في 3 أبريل بإعلان رسوم جمركية جديدة تتراوح بين 10% و50% على الواردات من معظم الدول.

وفي خطاب علني ألقاه ترامب أثناء توقيع المرسوم، وصف هذه الخطوة بأنها “إعلان الاستقلال الاقتصادي” للولايات المتحدة، مؤكدًا أن الهدف هو حماية الصناعات المحلية وتقليص العجز التجاري الذي تعاني منه البلاد مع العديد من الشركاء التجاريين. وأشار إلى أن الدول التي تفرض رسومًا مرتفعة على المنتجات الأمريكية، مثل تايلاند (60%) والهند (70%) وفيتنام (75%)، ستتحمل الآن تبعات هذه السياسة.

استثناء روسيا: لغز يثير التكهنات

من بين الدول التي شملها القرار، برز غياب روسيا عن قائمة الدول الخاضعة لـ رسوم جمركية جديدة، وهو ما أثار دهشة المراقبين. وفي تعليق رسمي، أوضحت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، أن سبب استبعاد روسيا يعود إلى أن العقوبات الأمريكية المفروضة عليها منذ بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا عام 2022 قد قلصت حجم التجارة بين البلدين إلى مستويات “غير ذات أهمية”. وأضافت أن الدول الأخرى المستثناة، مثل كوبا وبيلاروسيا وكوريا الشمالية، تخضع أيضًا لعقوبات صارمة تجعل فرض رسوم إضافية غير ضروري.

لكن هذا التفسير لم يقنع الجميع، إذ أشارت تقارير إعلامية، منها ما نشرته “أكسيوس”، إلى أن حجم التجارة بين الولايات المتحدة وروسيا، رغم انخفاضه من 35 مليار دولار في 2021 إلى 3.5 مليار دولار في العام الماضي، لا يزال يتجاوز حجم التجارة مع دول أخرى مثل موريشيوس وبروناي، وهما دولتان شملتهما الرسوم الجديدة. كما أن هناك دولًا صغيرة مثل جزر توكيلاو النيوزيلندية (بسكان لا يتجاوزون 1500 نسمة) وأرخبيل سفالبارد النرويجي (2500 نسمة) قد أدرجتا في القائمة، مما يثير تساؤلات حول معايير اختيار الدول المستهدفة.

تفاصيل الرسوم وتأثيرها العالمي

تشمل رسوم جمركية جديدة مجموعة واسعة من السلع، حيث حددت الإدارة الأمريكية نسبًا متفاوتة حسب كل دولة. ففي آسيا، تصدرت كمبوديا القائمة بنسبة 49%، تلتها لاوس (48%) وفيتنام (46%)، بينما حصلت دول مثل اليابان (24%) وكوريا الجنوبية (25%) على نسب أقل نسبيًا. أما في أفريقيا، فقد سجلت ليسوتو أعلى نسبة (50%)، تلتها مدغشقر (47%)، بينما حصلت دول الخليج على الحد الأدنى (10%).

وفي أوروبا، تفاوتت النسب بين الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، حيث حصلت بريطانيا على نسبة 10% فقط، بينما وصلت النسبة في ليختنشتاين وصربيا إلى 37%. أما الاتحاد الأوروبي نفسه، فقد فرضت عليه رسوم بنسبة 20%، في حين بلغت النسبة مع الصين 34% نتيجة العجز التجاري الكبير الذي سجل 295 مليار دولار في 2024.

ومن اللافت أن كندا والمكسيك، الشريكين الرئيسيين للولايات المتحدة في أمريكا الشمالية، استثنيتا من هذه الجولة الجديدة بعد أن فرضت عليهما رسوم بنسبة 25% في وقت سابق من العام. وفيما يتعلق بالسيارات، فقد فرضت رسوم إضافية بنسبة 25% على السيارات المستوردة، بينما أرجئ تطبيق رسوم على قطع الغيار حتى 3 مايو.

ردود الفعل الدولية

أثارت هذه السياسة ردود فعل متباينة حول العالم. ففي الصين، أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية أن بكين “مستعدة لخوض الحرب التجارية حتى النهاية”، مشيرًا إلى أن الرد سيكون حاسمًا. وفي الاتحاد الأوروبي، دعت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، إلى مفاوضات مع واشنطن لتجنب تصعيد التوترات، محذرة من أن فشل الحوار سيؤدي إلى فرض رسوم مضادة. كما عبر رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك عن استيائه، داعيًا إلى “شراكة حقيقية” تعتمد على المعاملة بالمثل.

من جانبها، أعربت الحكومة البرازيلية عن رفضها للرسوم الجديدة، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة حققت فائضًا تجاريًا مع البرازيل بقيمة 410 مليارات دولار على مدى 15 عامًا، وأن فرض رسوم بنسبة 10% لا يعكس الواقع الاقتصادي. وفي آسيا، عقد وزراء تجارة الصين واليابان وكوريا الجنوبية اجتماعًا في 30 مارس لتعزيز التعاون الثلاثي كبديل لتخفيف الضغط الأمريكي.

روسيا والعقوبات: بين التهديد والتفاوض

على الرغم من استثناء روسيا من الرسوم، لم يخلُ الموقف الأمريكي من التوتر مع موسكو. فقد هدد ترامب هذا الأسبوع بفرض رسوم ثانوية على النفط الروسي، معبرًا عن غضبه من تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأخيرة حول أوكرانيا. وفي الوقت نفسه، أشارت ليفيت إلى أن عقوبات إضافية “قاسية” قد تُفرض على روسيا مستقبلًا. وفي سياق متصل، كشفت مصادر أن روسيا طالبت، خلال مفاوضات توسطت فيها الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار في أوكرانيا، برفع بعض العقوبات، لكن تلك المفاوضات تعثرت.

التداعيات المستقبلية

يبقى السؤال المحوري: إلى أين ستؤدي هذه السياسة؟ يرى المحللون أن رسوم جمركية جديدة قد تؤدي إلى ارتفاع التضخم وتعطيل سلاسل التوريد العالمية، مما يضر بالاقتصادات على جانبي الأطلسي. ومع تصاعد الحرب التجارية، بدأت دول مثل كوريا الجنوبية واليابان في البحث عن أسواق بديلة، بما في ذلك السوق الروسي الذي انسحبت منه الشركات الغربية في 2022.

وفي الثالث من أبريل، يجتمع وزراء خارجية حلف الناتو في بروكسل، ومن المتوقع أن تتصدر هذه القضية جدول الأعمال، مما يعكس القلق المتزايد من تأثير قرارات ترامب على العلاقات الدولية. وبينما يواصل العالم مراقبة التطورات، يظل المشهد الاقتصادي محفوفًا بالمخاطر والتحديات التي قد تغير قواعد اللعبة في السنوات القادمة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من العربي للعدل والمساواة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading